تطبيق دردشة… كالحمار يحمل أسفاراً

في زمنٍ قصير، وجدنا أنفسنا أمام مشهد غير مسبوق:

برنامج دردشة يتحوّل إلى طبيب، ومستشار نفسي، ومرشد أسري، بل ومرجع يُسأل عن أدق تفاصيل الجسد والمشاعر.

لا لأنه يملك وعياً أو فهماً إنسانياً، بل لأن البيئة كانت مهيّأة تماماً لاستقباله بهذا الدور.


لم يأتِ هذا التحوّل فجأة كما يظن البعض، بل سبقه إرهاق طويل للإنسان المعاصر: ضغط مادي متواصل، عزلة اجتماعية متنامية، وتآكل تدريجي في الثقة بين الناس. وسط هذا الفراغ الإجتماعي، وُلدت الحاجة إلى ”من يُصغي“، ولو كان تطبيق AI Chat .


وهنا ظهر تطبيق دردشة محمل بأسفار عظيمة، لا كأداة تقنية للتواصل بين الناس، بل كبديل للتواصل الإنساني، يتمتع بمميزات منها أنه متاح في أي وقت، متملق، ولا يمل من المجاملة، ولا يطلب موعداً ولا يعتذر عن موعد.

وظيفته الأصلية هي أداة مساعدة حاسوبية إلا أنه تحول إلى مرجع يُسأل عن حالات صحية وأمور نفسية ومشاكل أسرية وأحيانا في إتخاذ قرارات بالنيابة.


عند العودة إلى طبيعتنا البشرية قبل أن تدخل تطبيقات الدردشة الذكية، كانت بعض الآلام تمرّ بنا ثم تمضي؛ دون أن نضخّمها أو نبحث لها عن تفسيرات معقدة.

أما اليوم، فمجرد عرض بسيط كفيل بأن يدفع صاحبه إلى البحث، ثم الغوص، ثم القلق، ثم الدخول في دوامة من التشخيصات التي قد لا تكون صحيحة أصلًا. وهنا تكمن الخطورة.


فالذكاء الاصطناعي لا يملك حدساً إنسانياً، ولا إدراكاً للسياق النفسي، ولا قدرة على التمييز بين العارض العابر والمرض الحقيقي.

هو ببساطة آلة تحلل البيانات، وتعيد ترتيب المعلومات، وتصوغها بلغة مقنعة ومنمقة، حتى تبدو وكأنها حقيقة مطلقة.


إنه — إن صح التعبير — أشبه بحمار يحمل أسفاراً؛ يحمل كمًّا هائلاً من المعلومات، لكنه لا يفقه معناها، ولا يقدّر أثرها وأثر سرد التشخيصات المشتتة على من يتلقاها.


المشكلة لا تكمن في الأداة، بل في الموقع الذي وُضعت فيه.

فالذكاء الاصطناعي ليس طبيباً، ولا معالجاً نفسياً، ولا مرشداً أسرياً.

هو مساعد مكتبي، نقوده نحن بعلمنا وخبرتنا ليؤدي دوراً وفق ما صُنع له: اختصار الوقت، جمع المعلومات، وترتيبها.


حين نعيده إلى هذا الموقع الطبيعي، يصبح نعمة.

وحين نرفعه إلى مقام لا يليق به، يتحوّل — دون قصد — إلى مصدر للوسوسة، وتضخيم المخاوف، وتفاقم المشكلات النفسية و الإجتماعية أحياناً.


الخلاصة بسيطة:

الذكاء الاصطناعي أداة… لا صديقاً، ولا طبيباً، ولا مستشار.

وسيلة… لا بديلاً عن العقل البشري، ولا الخبرة الطبية، ولا التوازن الاجتماعي.

من أحسن استخدامه، انتفع به، ومن سلّمه زمام الأمور، أرهق نفسه دون أن يشعر.

مشاركة التدوينة
منصة X
مشاركة التدوينة على الفيس بوك
مشاركة التدوينة
رسالة لعلي المسلم عن التدوينة
musalam musalam.net علي المسلم
musalam musalam.net علي المسلم