هوس التوعية الصحية.. متى يتحول الإرشاد إلى مصدر للقلق؟
لا أحد يختلف على أهمية التوعية الصحية، فهي من وسائل الوقاية، ورفع الوعي، وتحسين جودة الحياة. ومن أدوات التوعية الصحية منصات التواصل الاجتماعي التي منحت الممارسين الصحيين فرصة غير مسبوقة للوصول إلى الناس، ومع هذا الانتشار الواسع، يبرز سؤال مهم:
هل كل رسالة صحية تصلح لأن تُوجَّه إلى عامة الناس؟
من خلال متابعتي للإعلام الصحي لسنوات، ألاحظ أننا بدأنا ننتقل -دون أن نشعر- من مرحلة نشر الوعي إلى مرحلة صناعة القلق. والفرق بينهما كبير.
فالرسالة الطبية ليست مجرد معلومة صحيحة، بل هي رسالة يجب أن تُقدَّم في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب، وللجمهور المناسب.
المشكلة ليست في المعلومة… بل في طريقة تقديمها
كثير من المقاطع الصحية تبدأ بعبارات مثل:
“إذا شعرت بهذا العرض فقد تكون مصابًا بالمرض الفلاني.”
ورغم أن هذه العبارة قد تكون صحيحة في سياق طبي محدد، فإنها عندما تُوجَّه إلى ملايين الأشخاص خارج العيادة تفقد سياقها العلمي.
فالطب لا يقوم على عرض واحد، ولا على مقطع فيديو مدته دقيقة، وإنما على تاريخ مرضي، وفحص سريري، وتحاليل، وربما فحوص إضافية قبل الوصول إلى تشخيص دقيق.
ولهذا فإن المشكلة ليست في المعلومة نفسها، وإنما في الطريقة التي تُقدَّم بها.
عندما تبدأ رحلة القلق
ما يقلقني أكثر ليس انتشار المعلومات، وإنما الأثر النفسي الذي تتركه على المتلقي.
فكثرة الرسائل التحذيرية قد تدفع الإنسان إلى الدخول في دائرتين متتابعتين:
أولًا: التفكير المفرط (Overthinking).
وهنا يبدأ الشخص في تفسير كل ما يشعر به داخل جسده. فيصبح الصداع البسيط، أو التعب المؤقت، أو الخفقان الطبيعي بعد بذل مجهود، احتمالًا لمرض خطير سمع عنه في أحد المقاطع.
ثم ينتقل إلى المرحلة الثانية…
ثانيًا: مراقبة الجسد الدائمة (Self-monitoring).
فيبدأ بمراقبة نبضه، وطريقة تنفسه، وضغطه، وأي تغير بسيط يطرأ على جسمه. وكلما شاهد محتوى صحيًا جديدًا، وجد نفسه يبحث عن أعراضه في جسده.
ومع مرور الوقت، لا يعود يتابع المحتوى الصحي ليزداد وعيًا، بل ليبحث عما يثير قلقه.
وهنا تتحول التوعية من وسيلة للوقاية إلى سبب لاستنزاف الطمأنينة.
ليست كل الحالات تستحق التعميم
قد يصادف الطبيب حالة نادرة مرة أو مرتين خلال العام، لكنها تبقى حالة استثنائية.
ومن الخطأ أن تتحول هذه الحالات إلى رسائل يومية توحي للمجتمع بأنها أمر شائع.
التوعية العامة ينبغي أن تُبنى على أولويات الصحة العامة، وعلى المشكلات المنتشرة فعلًا، لا على الحالات النادرة التي قد تثير اهتمام المتابعين أكثر مما تفيدهم.
لقد رأينا أهمية التوعية الجماعية أثناء جائحة كورونا، لأن الخطر كان عامًا. أما في الظروف الطبيعية، فلكل مريض ظروفه الخاصة، ولا يمكن اختزالها في رسالة موجهة إلى الجميع.
من يقود الرسالة الصحية؟
التوعية الصحية مسؤولية كبيرة، ولهذا أرى أن الرسائل العامة الموجهة للمجتمع يكون أثرها أفضل عندما تصدر من الجهات الصحية الرسمية، أو الجمعيات الطبية، أو المستشفيات، حيث تمر الرسالة بمراجعة علمية وإعلامية قبل نشرها.
أما الممارسون الصحيون الذين يمتلكون مهارات التواصل، فوجودهم ضمن هذه المنظومة يمنحهم مساحة أكبر لتقديم محتوى مؤثر، دون الوقوع في التبسيط المخل أو التهويل غير المقصود.
كلمة أخيرة
أنا لست ضد التوعية الصحية، بل أؤمن بأنها ضرورة لا غنى عنها.
لكنني ضد أن يتحول كل عرض بسيط إلى إنذار، وكل حالة نادرة إلى قضية عامة، وكل مقطع قصير إلى تشخيص طبي.
المجتمع بحاجة إلى رسائل صحية تبني الوعي، لا الوسواس.
وبحاجة إلى محتوى يدفع الإنسان إلى مراجعة الطبيب عندما تستدعي حالته ذلك، لا إلى مراقبة جسده طوال اليوم بحثًا عن مرض قد لا يكون موجودًا أصلًا.
فأفضل التوعية ليست تلك التي تجعل الناس يخافون أكثر، بل تلك التي تجعلهم يفهمون أكثر، ويعيشون مطمئنين، ويتخذون القرار الصحيح في الوقت الصحيح.